جديد المدونة

الظلام المرئي


الظلام المرئي
      حالة ضبابية تسبب لك ظلاما ذهنيا لا تستطيع خلالها أن تفرد شفتيك بابتسامة مصطنعة. هذه الحالة هي الإكتئاب. إنه مرض لا يمكن وصفه بدقة مثل غيره من الأمراض، حيث أن المصاب به لأول مرة لا يمكنه التعرف عليه أو حتى وصفه. فهو يختلف عن حالات الضيق التي عادة ما تصيب الناس في حياتهم اليومية. كون الإكتئاب مرض غامض يصعب الحديث عنه وفهم الآخرين لطبيعته، كما أن التعاطف مع المصاب بالإكتئاب ليس فهمًا له.
وصف ستايرون المصاب بالإكتئاب أنه شخص يغرق، كالمغيب عقليا والسائر في نومه، وتعتريه بعض الأعراض مثل: (كراهية شديدة للذات وشعور بانعدام القيمة، أفكار وخيالات انتحارية، أرق، ارتباك وعدم قدرة على التركيز وهفوات في الذاكرة، نقص في الشهوة الجنسية، والرغبة في الطعام). لاحظ أيضا أن معظم المصابين بالإكتئاب يبدأون يومهم بداية غير مشجعة، غالبا لا يستطيعون النهوض من فراش نومهم، ولا تتعدل حالتهم المزاجية إلا مع تقدم اليوم، وقد يبدأ البعض صباحه متمالكا نفسه وما إن تحل الظهيرة حتى تغطيه سحب سوداء. أما في المساء تراوده مشاعر وأفكار لا يستطيع تحملها. وتزيد معاناته مع النوم غير المنتظم فيتجه إلى المهدئات والمنومات حتى يغفو ساعة أو ساعتين. وتكثر لديه تقلبات الحالة المزاجية السيئة خلال اليوم. ومن الأدلة التي تعرف الانسان على أنه مصاب بالإكتئاب، شعوره بنوع من الجمود تجاه أشياء كانت تبهجه من قبل مثل: تأمل لحظات الغروب والشروق، ممارسة رياضة المشي. حينها يجد المصاب أنه قد انكفأ على نفسه، ولم يعد يستطيع الهروب من التدفق المتواصل للأفكار المؤلمة التي تدور في رأسه. وقد يكمن العنصر الخفي خلف إصابة الإنسان بالإكتئاب في الفقد، سواء تمثل الفقد في خوفه من أن يهجره الناس أو أن يبقى وحيدا، أو أن يفقد أحبابه. ومن الأفكار التي يصعب على المكتئب التعامل معها، الرغبة بالانتحار. ويعتبر الحديث عن هذا العارض -الانتحار- أمرا محظورا لأن اعتقاد الناس يقول أن عملية الانتحار دليل على الضعف. بينما تكمن حقيقة هذه الرغبة الناتجة عن عجز احتمال ألم الأفكار السوداوية وصراع الحياة لفترة أطول مما هو عليه. قد تجد من المحيط تعاطفا مع من ينهي حياته بسبب ألم جسدي، في المقابل ينتقدون بشدة ويلومون من يتخلص من حياته بسبب ألم نفسي. وعليه لا ينبغي أن نصدر أحكاما على من تراوده رغبة الانتحار، لأنه لا يمكن لأي شخص أن يتخيل أو يشعر ما يشعر به المصاب بالإكتئاب وما يعاني منه. وتوضح إحصاءات المصابين بالإكتئاب أن أكثرهم من فئة رجال الأدب والفن. 
تكمن صعوبة علاج الإكتئاب في أنه غالبا لا يكون سببه واحدا أو معروفا أو يمكن تحديده، فتتنوع الأسباب ما بين وراثي أو اختلال كيميائي أو نتيجة لبعض الحوادث السابقة والسلوكيات المؤثرة في حياة الإنسان. يقول ستايرون أن معظم من مروا بمراحل سيئة في حياتهم يخرجون منها على ما يرام دون أن ينحدروا إلى دوامة الإكتئاب، ومعنى ذلك أن الحدث المأساوي ليس سببا للإكتئاب بل ربما استثار الحدث سببا كامنا خفيا لدى الفرد فأصيب بالمرض. ونجد من الطبيعي أن يتحمس المصابون بالإكتئاب للاعتقاد بوجود علاج سريع وشفاء عاجل لحالتهم، إلا أن هذا الاعتقاد يعرضهم للإحباط والبؤس. قد تفشل مختلف أنواع العلاج النفسي من أن تقدم التشافي التام للمصاب بالإكتئاب إلا أن الوقت هو عامل أساسي للشفاء بقدرة الله. بالرغم من أن المكتئب يرى حالته على أنها حالة دائمة، إلا أنها في الحقيقة أشبه بعاصفة سوداء سوف تهدأ حدتها في النهاية
خلاصة لملخص كتاب الظلام المرئي